أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

201

شرح مقامات الحريري

يشدّ النظر ويجلو البصر ، ويجمع بين ربيعة ومضر . ثم أردت الانصراف ، فقال : إلى أين يا أصمعيّ ؟ فقلت : إلى صديق لي ، فقال : إمّا لفائدة أو لعائدة أو لمائدة وإلّا فلا . ثم قال لي : مالي أراك بلا عمامة ؟ قلت : لا عمامة لي ، فنزع عمامته عن رأسه فدفعها إليّ ، فكبر ذلك عليّ ، فقال لي : إنّ لي بدلها إحدى عشرة عمامة ، ثم قال لي : الزم العمامة ، فإنّها تشد اللّامة ، وتحفظ الهامة ، وتزيد في القامة ، ثم استخرج من كمّة كيسا فدفعه إليّ ثم قال : يا أصمعيّ ، لا زلتم بخير ما دمتم تأمرون بالمعروف ، وتنهون عن المنكر ، فإذا تركتم ذلّك سلّط اللّه عليكم أقواما غلاظا فظاظا ، خبرتكم على قدر معرفتكم . وأما قراءته وإعرابه المذكوران في المقامة ، فإن شجاع بن نصر ، قال : قلت لأبي عمرو : كيف طلبت قراءة القرآن ؟ قال : لم أزل أطلب أن أقرأه كما قرأه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وكما أنزل عليه ، فقلت له : وكيف ذلك ؟ قال : هرب أبي من الحجّاج ، وأنا شابّ ، فقدمنا مكة ، فلقيت بها عدّة من التابعين ممّن قرأ على أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، مثل مجاهد وسعيد بن جبير وعطاء وغيرهم ، فقرأت عليهم القرآن ، وأخذت العربية عن العرب الّذين سبقونا باللحن ، فهذه التي أخذت بها قراءة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فاشدد يدك بها . وقال : خرج أبي هاربا من الحجّاج إلى اليمن ، فإنّا لنسير في الصحراء باليمن إذ لحقنا لا حق ينشد : [ الخفيف ] ربّما تجزع النّفوس من الأم * ر له فرجة كحلّ العقال « 1 » فقال له أبي : ما الخبر ؟ فقال : مات الحجاج ، فأنا بقوله : « فرجة » بفتح الفاء أشدّ سرورا مني بموت الحجاج ، فقال أبي : اصرف ركبانا إلى البصرة . الفنجديهيّ : رأيت في بعض الفوائد أنّ الحجاج قال لأبي عمرو : ما وجه قراءتك : إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً [ البقرة : 249 ] بفتح الغين ؟ فقال : ابلعي ريقي ، فقال : قد أبلعتك الفرات . وقال : قاتل اللّه ابن أم الحجاج ، لئن لم تأتني بالجواب إلى خمسة عشر يوما لأقتلنّك شرّ قتلة ، ووكّل به موكلين ، فخرج أبو عمرو يطوف في أحياء العرب ، فلم يجد له حجّة إلى يوم وعده ، فجرّه الموكّلون به ليرجعوه إلى الحجاج ، فسمع راعيا ينشد : ربّما تجزع النفوس . . . البيت ، فقال له أبو عمرو : كيف تنشد هذا البيت : له فرجة أو فرجة ، فقال : فرجة وفرجة ، وكذلك كلّ ما جاء على فعلة ، فلنا فيه ثلاث لغات ، فقال له أبو عمرو : فما سبب إنشادك هذا البيت في هذا الوقت ؟ فقال : إنّا كنّا خائفين من

--> ( 1 ) البيت لأمية بن أبي الصلت في ديوانه ص 50 ، وحماسة البحتري ص 223 ، والكتاب 2 / 109 ، ولسان العرب ( فرج ) ، وله أو لحنيف بن عمير أو نهار ابن أخت مسيلمة الكذاب في شرح شواهد المغني 2 / 707 ، 708 ، والمقاصد النحوية 1 / 484 ، وله أو لأبي قيس صرمة بن أبي أنس أو لحنيف في خزانة الأدب 6 / 115 ، ولعبيد بن الأبرص في ديوانه ص 128 ، وبلا نسبة في أساس البلاغة ( فرج ) ، والبيان والتبيين 3 / 260 .